9.6.19

البعد الروحي في الفيلم المغربي


   في الحقل السينمائي، هناك بعض المجالات أو الموضوعات يشعر الناقد إزاءها بنوع من التردد أو التهيب نظرا لما تكتسبه من حساسية من جهة، و بسبب ندرة الكتابات المتطرقة لها من جهة ثانية. لكن بما أن في النقد، إسوة بالكتابة بشكل عام، جانبا من المغامرة تؤهله لاستشراف المستقبل أو للتحفيز على ذلك على الأقل، فإن الخوض في هذه الموضوعات يمكن أن يكتسي طابعا من المسؤولية العلمية التي ينبغي أن تتلمس خطوها بغير قليل من الحيطة و الحذر.

   من هذا المنطلق، وجبت الإشارة إلى أن ما سيرد في السطور التالية لا يعدو كونه توطئة لإثارة نقاش حول هذا الموضوع الغني، أقصد موضوع "البعد الروحي في الفيلم المغربي". و دون الدخول في غمار التأويلات الفلسفية لموضوعة الروح، و هي تأويلات تختلف حسب اختلاف السياقات الثقافية و الحضارية المسيجة لها، نشير إلى أن الفن السابع، على غرار الفنون الأخرى، قد اقتحم مجال الروح مفتتحا بذلك آفاقا جديدة رحبة للإبداع، خصوصا على أيدي سينمائيين لهم باعهم في هذا المضمار.

  غير أننا لا يمكن أن نقنع بهذا التناول "الخالص" للموضوعات الروحية. ذلك أننا، و هنا تكمن إحدى المفارقات الخصبة و الغنية في السينما، لا نستشف جمال الروح إلا من خلال ما ليس هي. لذلك أرى في أعمال مثل "المدرعة بوتمكين" (1925) أو "الإضراب" (1924) لإزنشتاين أعمالا روحية، كما أرى في أعمال أخرى مثل "المخدوعون" (1972) لتوفيق صالح، أو "ناجي العلي" (1991) لعاطف الطيب، أو "المغامرة" (1960)لأنطونيوني أعمالا يحضر فيها البعد الروحي، و من هنا قيمتها الإبداعية الكبيرة. ذلك أن عبقرية كبار الفنانين تكمن في القدرة على التحكم بدقة في لعبة "الحضور/الغياب" التي هي لعبة ذات إيحاءات روحية عميقة، كما في ابتكار أساليب جديدة خصوصا على مستوى الكتابة السينمائية قصد تحقيق مزيد من التنويع في مظاهر و تجليات اللعبة إياها برهافة جمالية عميقة.

-2-

  و بخصوص الفيلم المغربي، أول ما يمكن للمتتبع أن يسجله هو اختلاف حضور البعد الروحي من فيلم إلى آخر، فهو في بعض الأفلام يحضر بكيفية مباشرة، سافرة إذا جاز التعبير، أبرز مثال على ذلك فيلم "الناعورة" ( 1984 ) إخراج عبد الكريم الدرقاوي و إدريس الكتاني  "باب السما مفتوح" (1988) للمخرجة فريدة بليزيد، و أشلاء لحكيم بلعباس؛ و هو في بعضها الآخر يحضر بكيفية جزئية كما في أفلام "مكتوب" (1996) لنبيل عيوش، "نساء و نساء" (1997) لسعد الشرايبي، "بيضاوة" (1998) لعبد القادر لقطع، و أخيرا بكيفية مفارقة كما في فيلمي "شاطئ الأطفال الضائعين" (1991) للجيلالي فرحاتي أو "باي باي السويرتي" (1998) لداود اولاد السيد.

  يجد المتفرج نفسه، و هو يشاهد فيلم "باب السماء مفتوح" للمخرجة فريدة بليزيد، مدفوعا داخل أجواء روحية أساسا، ذلك أن بطلة الفيلم "نادية" العائدة من أوروبا إلى المغرب، و تحديدا إلى مدينة فاس، على إثر توصلها بخبر مرض أبيها، لا تلبث، بعد موت هذا الأخير، أن تستشعر أزمة روحية سببها انتماؤها الحضاري و الثقافي المزدوج: الثقافة الأوروبية بطابعها المادي العلماني، و الثقافة المغربية في بعدها الصوفي تحديدا الذي تمثله الزاوية. و اختيارها للزاوية التي تبدو داخلها في حالة من الذهول الروحي يتضمن من جهة موقفا نقديا إزاء النسق الرمزي العام للحضارة الغربية المعاصرة، و يتضمن بالمقابل موقفا إيجابيا إزاء النسق الرمزي التراثي المغربي، مع إضاءته بإشراقات من الذاكرة الصوفية متمثلة في إشارات المفكر الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي.

  إن ما يثير الانتباه في هذا الشريط هو الحرص على تأكيد الطابع الروحاني للفضاء المغربي التقليدي، فاس تحديدا، و على علاقة الألفة بين الإنسان و فضاءاته حيث تستشعر الروح سكينة و طمأنينة كادت تفقدهما إياها حضارة الغرب المادية. و المغرب من هذا المنظور يبدو مغربا مسالما تسوده المحبة و الألفة، لذلك تكاد تغيب في الشريط الصراعات ذات البعد الاجتماعي. و كأن السينمائية تذكرنا بحقيقتنا الروحية العميقة من خلال التركيز على بعض علامات النسق الرمزي التقليدي في بعدها الإنساني الباطني تحديدا.

  هذا الارتباط بين الفضاء و الروح نجده يتكرر في أفلام أخرى يحضر فيها البعد الروحي كما أسلفت، لكن بكيفية جزئية.إن الهروب الكبير لبطلي فيلم "مكتوب" (يؤدي دوريهما كل من رشيد الوالي و أمال الشبلي) هو في العمق هروب من شكل محدد لممارسة السلطة داخل المجتمع، ممارستها بشكل يستبيح بعربدة سافرة حرمة الجسد. إنه أيضا في جانب منه، نقد لهذا  الشكل الجائر و المتسيب و اللاقانوني. تتطور المطاردة و تتصاعد و تنحرف و تتعرج بحسب التواءات الأمكنة و تعرجاتها. و في الأخير يجد الهاربان نفسيهما، في الخلاء الشاسع، إزاء مشهد تشييع جثمان نحو مثواه الأخير، الموت هنا يمكن اعتبارها بمثابة نافذة للإطلال من خلالها على الحلقة المفقودة داخل هذا النسيج العام، يتعلق الأمر بالحلقة الروحية. فكما لو أننا نوجد مع البطلين الهاربين داخل متاهة ما تلبث خيوطها أن تزداد تشابكا و تعقيدا بسبب الفراغ الروحي المهيمن. و النعش هو بمثابة تذكرة السفر الضرورية نحو اللانهاية. فكما لو أننا بحاجة إلى سفر آخر أو إلى هروب آخر بالأحرى، هو هروب نحو الروح، نحو الله لاستلهام شكل آخر للسلطة أكثر عدالة و تسامحا و رحابة.

  و نجد هذا الهروب بحثا عن الروح، لكن بصيغة أخرى، في فيلم "نساء.. و نساء" للمخرج سعد الشرايبي. ففي انتقال "زكية" بطلة الفيلم (تؤدي دورها منى فتو) من المدينة "الدار البيضاء" إلى البادية، مسقط رأس زكية، في ذلك أولا ما يشبه موقف الإدانة إزاء برودة الواقع البيضاوي المتفسخ، و فيه نوع من استلهام عدالة مثالية مفتقدة هي عدالة الطبيعة. إن ما تتيحه الموت مجسدة في "النعش" في نهاية شريط "مكتوب"، هو بالذات ما تتيحه الطبيعة، مجسدة في القرية الهادئة، ببساطتها و تجانسها، أعني شكلا من الاتصال باللانهاية. تستحم زكية بماء النهر لتتطهر. إننا نلمس هنا شكلا من الحلول الصوفي من خلال التوله بالعناصر الأصلية للطبيعة في مواجهة ما يعتبر مصطنعا و زائفا. و لكن إذا كان فيلم "مكتوب" ينتهي عند حدث "مشاهدة الموت"، فإن بطلة فيلم "نساء و نساء" لا تلبث أن تعود إلى المدينة لمواصلة الصراع.

  في فيلم "بيضاوة" للمخرج عبد القادر لقطع يحضر البعد الروحي، مجسدا في الدين و في الطقس الديني تحديدا، لكن هذا الحضور يكتسي هنا صبغة تسلطية. نشاهد شكلا مستهجنا لتطرف ديني وقح، يلتف كأخطبوط حول عالمنا، الواقعي منه و المتخيل. في التطرف الديني مسعى لامتلاك مملكة الروح، و فيه أيضا وهم تحقق هذا الامتلاك. هذا الموقف النقدي من التوظيف الإيديولوجي الدوغمائئي للدين كنا قد رأيناه قبل ذلك فيي فيلم "حب في الدار البيضاء" لنفس المخرج. (في الهامش- أنظر قراءتنا لفيلم حب في الدار البيضاء ضمن كتابنا " مسافات اللعب و الوهم...")

  إن الجانب الروحي يطرح كمجال لصراع إيديولوجي حاد، و مما يزيد من حدته أنه يلقي بظلاله على المؤسسة التربوية، مجسدة هنا في المدرسة. لذلك تكون النهاية مأساوية، إذ أن محاولة الطفل- التلميذ الانتحار هي محاولة منه للتخلص، عبر الغوص في مياه البحر، من هذا المسعى القذر للتطرف و العنف.

  و من المفيد الإشارة هنا إلى البعد الروحي الذي يكتسيه البحر في مجموعة من الأفلام المغربية. ففي مقابل انغلاق البنية الاجتماعية بفعل ما تحمله داخلها من رواسب الجمود و التخلف، يحل البحر، غالبا في النهاية، كنافذة روحية مشرعة على الأمل و المستقبل. لذلك لا يلقى الطفل مصرعه في نهاية "بيضاوة" لأن هناك قوى أخرى مضادة للتأويل و للممارسة المتطرفين للدين، لها حضورها في المجتمع، تنقذ الطفل من ورطته، و تعطي للبحر بعدا آخر يلتقي مع بعده الميثولوجي الرحب. و من المؤكد أن نهاية "شاطئ الأطفال الضائعين" هي بهذا الصدد نهاية جد مؤثرة، ذلك أن أمينة بطلة الفيلم (تؤدي دورها سعاد فرحاتي)، إذ تنتفض في حركة غريزية تلقائية، ضد رواسب القهر الاجتماعي، تحمل مولودها و تتجه، متشبثة به بقوة، نحو البحر على مرآى من سكان القرية المندهشين، ذلك أن البحر وحده ينسجم روحيا و يستجيب للرغبة الباطنية العميقة لدى أمينة في امتلاك وليدها ضدا على الإرادة الجائرة للمجتمع.

-3-

  يبدو إذن أن سؤال الهوية لا يمكن أن يطرح عند البعض إلا في بعده الروحي، و أن الوقوف عند المظهر الواقعي الاجتماعي لا يروي عطش المبدع. و هذا الشعور هو الذي يجعل بعض الأفلام تفتح المجال لمحاولة استيعاب بعد روحي أعمق. لكن في أفلام أخرى تطرح أزمة الهوية بشكل بالغ الحدة و القسوة كما في فيلمي "شاطئ الأطفال الضائعين" و "باي باي سويرتي". في هذين الفيلمين ترتبط أزمة الهوية أساسا بالفراغ الكبير على المستوى الروحي. و إذا كنا في "شاطئ الأطفال الضائعين" نجد شكلا من المواساة فيما نلمسه من رحمة لدى الأب الطيب (يؤدي دوره محمد تيمد) في تعامله الرحيم مع ابنته أمينة المتورطة في علاقة غير شرعية سيترتب عنها مولود غير شرعي، فإن "باي باي سويرتي" يصدمنا بقسوته الرهيبة، قسوة لا يخفف منها إلا ما نلمسه من جمالية على مستوى الصورة. و قسوة "الواقع" يحل محلها شكل من رهافة الفن.  

  هنا يجد المتفرج نفسه كما لو كان إزاء طقس روحي تلعب فيه الصورة دورها الأكبر، أو كما لو أننا نوجد داخل محراب للتعبد تمكننا الصورة المنسابة ببطء و داخل مساحة من الصمت المخيم، تمكننا من تأمل ذواتنا و وجودنا و مصيرنا. إن الصمت هو المجال الأثير لتطارح الأسئلة الصعبة، و هو الحقل الخصب للإصغاء عبر الغوص في كياننا من خلال ما تقترحه الصورة.

  و الحضور الروحي مثلما يتقوى من خلال جمالية الصورة، فهو يتكثف بالمثل من خلال قوة الإيحاء. لذلك كلما كان العمل إيحائيا، كلما أفسح المجال أكثر من غيره، لانفتاح أبواب الروح، ذلك أن الجمال الحقيقي يتمثل في القدرة على التجاوب العميق مع البعد الروحي لدى الإنسان، و هو مايضمن تساميه و خلوده، و من هنا الأهمية التي يحتلها فيلما فرحاتي و اولاد السيد في تاريخ السينما المغربية.

-4-

  و يمكن تعقب أشكال أخرى لحضور و تبلور البعد الروحي في الفيلم المغربي، لعل أداء الممثل من أكثرها أهمية. أفكر مثلا في الدور الذي أداه المرحوم "محمد تيمد" في "شاطئ الأطفال الضائعين" ، أو الدور الذي أداه "حسن الصقلي" في "باي باي سويرتي"، أو قبل ذلك دور "محمد الحبشي" في رائعة "حلاق درب الفقراء" (1982) للمرحوم محمد الركاب. غير أننا لا نفصل أداء الممثل في هذه النماذج عن الشخصية الممثلة من جهة، و من جهة ثانية عن الرؤية الإخراجية العميقة للسينمائي، رؤية تأخذ بعين الاعتبار عناصر أخرى تساهم في خلق أجواء روحية شأن الإنارة و الألوان و الموسيقى، إلخ.. و مع ذلك نسجل أنه ما زال هناك الشيء الكثير مما ينبغي عمله على مستوى الكتابة السينمائية بكافة أبعادها، و أننا ما  نزال بانتظار المزيد من الفتوحات على المستوى الروحي، و هو أمر لا يتحقق إلا ضمن رؤية سينمائية دقيقة، رؤية تستوحي دقة التشكيل و رهافته، و تستلهم سحر الموسيقى الروحية و عذوبتها، دون إغفال البعد التواصلي الذي يظل الحلقة الأهم في كل عمل سينمائي جاد.

  و بالجملة فإن الذاكرة المغربية في تعبيراتها الشعبية بصفة خاصة غنية بالرموز و العلامات الروحية التي يمكن للصورة السينمائية أن تعيد اكتشافها ضمن رؤية حداثية، خاصة أن السينما المغربية تعرف اليوم ديناميكية جديدة تعد بالشيء الكثير من غير شك.

  و إذا كنت، في هذه العجالة، قد وقفت عند نماذج بعينها، فإن هذا لا يعني إطلاقا إغفال أعمال سينمائية أخرى ساهمت بشكل أو بآخر في نشوء و تبلور عمق روحي في الفيلم المغربي مثل شريط "وشمة" (1970) لحميد بناني، أو "الناعورة" (1984) للمخرجين إدريس الكتاني و محمد عبد الكريم الدرقاوي أو "كابوس" (1984) لأحمد ياشفين، أو "بادس" (1988) لمحمد عبد الرحمان التازي، أو "هذه الأيادي" و "محاولة فاشلة لتعريف الحب" (2012) لحكيم بعلباس؛ مما يبقي البحث من جهته مفتوحا على مصراعيه في هذا المضمار.

نورالدين بوخصيبي

                                        


مسافات اللعب والوهم - متعة القراءة...بعد متعة المشاهدة

       محمد بكريم  الأستاذ محمد بكريم   أصبحت السينما المغربية واقعا موضوعيا يتجلى في تطور الإنتاج على المستوى الكمي، الشي...