بقلم: نورالدين بوخصيبي
اخترت أن أقف في هذه المقاربة النقدية، عند العلاقة بين المحرم و صمت الصورة في السينما المغربية، من خلال بعض النماذج التي راعيت في انتقائها قدرا من التنوع و الاختلاف. لهذا الغرض تنصب الدراسة تحديدا على أربعة أشرطة مغربية، اثنان منهما شريطان روائيان مطولان باللغة العربية، إلى جانب شريطين قصيرين أحدهما عربي و الآخر أمازيغي.
اخترت أن أقف في هذه المقاربة النقدية، عند العلاقة بين المحرم و صمت الصورة في السينما المغربية، من خلال بعض النماذج التي راعيت في انتقائها قدرا من التنوع و الاختلاف. لهذا الغرض تنصب الدراسة تحديدا على أربعة أشرطة مغربية، اثنان منهما شريطان روائيان مطولان باللغة العربية، إلى جانب شريطين قصيرين أحدهما عربي و الآخر أمازيغي.
أشير في
البداية إلى أن هذا الحضور العنيف للرغبة في جانبها المحرم، عبر عنه فيلم
"الباروكة" La perruque تعبيرا
مكثفا من خلال إدراج أغنية "النار الحمرا" التي انطلقت مع بداية الشريط.
فيلم "الباروكة" لكريم البخاري هو من الأفلام التي سأتناولها ضمن هذه
المقاربة.
و قد راعيت في انتقاء هذه النماذج حضور الصمت
في علاقته بالمحرم، لكن شريطة أن يكون للصمت ما يبرره من الناحية الفنية و الجمالية،
و ألا يكون مجرد استعراض شكلي صرف بدون مبررات معقولة.
و هكذا فقد وقفت هنا بصفة خاصة عند الأشرطة
التالية:
-
"شاطئ الأطفال الضائعين" (1991) إخراج
الجيلالي فرحاتي
-
سميرة في الضيعة (2007) إخراج لطيف لحلو
-
المختار(2012) شريط قصير للمخرجة حليمة ورديري
-
"الباروكة"
(2015) شريط قصير لكريم البخاري
لكن قبل أن أتطرق لهذه الأشرطة، أقف لحظة عند الأسئلة التالية: لماذا
الصمت في السينما؟ ما قيمة الصمت و ما أهميته على الشاشة السينمائية؟ إذا كانت
السينما فنا تواصليا بامتياز، فلماذا إذن هذا الحضور القوي للصمت عند مجموعة من
السينمائيين على المستوى العالمي، إما بكيفية جزئية أو كلية شاملة كما يظهر ذلك عبر
تاريخ السينما؟
عبر الفنان السينمائي الكبير شارلي شابلن عن
أهمية الصمت في السينما بعبارته الدالة حين قال: "ماهية السينما هي الصمت".
(1) و عبر في نفس السياق عن كراهيته للأفلام الناطقة، معتبرا أن عظمة السينما تكمن
في كونها امتدادا و محاكاة لفنون الميم. و عبر الكاتب الكبير تولستوي عن إعجابه أو
انبهاره بالسينما عندما أطلق عليها اسم "الصامت العظيم"..بينما عبر المخرج
الياباني الكبير أكيرا كوروزاوا عن إعجابه بالصمت في السينما حين قال: "منذ
مجيء الأفلام الناطقة خلال الثلاثينيات [من القرن العشرين]، شعرت أننا فقدنا و
نسينا ما كان يجعل الأفلام الصامتة بكل تلك الروعة. و وعيا مني بهذه الخسارة
الاستتيقية، التي كانت تعطيني إحساسا بتأنيب الضمير، كنت أشعر بالرغبة في العودة
إلى أصول السينما، و أن أعثر على هذا الجمال الخاص. كان علي إذن أن أعود إلى الماضي". (2)
أما من منظور التحليل النفسي، الذي يشكل الخلفية النظرية التي أنطلق منها
في دراستي، فإن الصمت يعبر في المنطلق عن صعوبة الكلام. خلال اللقاء مع المحلل، يصمت
المريض عندما يجد نفسه عاجزا عن الكلام. عندما تكون هناك أفكار و محتويات نفسية
يصعب التعبير عنها كلاميا.
الصمت نوع من النكوص أو التقهقر نحو مرحلة
عتيقة سابقة من حياة الإنسان، مرحلة تخلو أو تكاد من الصراع النفسي، مرحلة الصمت
حيث يعبر الطفل عن رغباته بأدوات و وسائل أخرى غير الكلام. و الصمت فراغ بين
السطور جدير بالقراءة. ذلك الفراغ هو المهم و هو في كثير من الأحيان أهم من
الكلام، لأنه ما يفلت من الكلام، و ما يفلت من الوعي و المعرفة القصدية. من هنا
فإن الصمت يمكن أن يكون صمت الحقيقة. بل إن الكلام نفسه منشأه و منبعه الصمت. و
اللغة لا تصل بين الناس إلا إذا كان الكلام يضرب أطنابه داخل وعي إمكانية صمت
لانهائي. (3)
شاطئ الأطفال الضائعين
الصمت كدعوة
للمشاهدة و التأمل
اعتُبِر فيلم "شاطئ الأطفال الضائعين" للمخرج المغربي الجيلالي فرحاتي، بمثابة نقلة نوعية في السينما المغربية على المستوى الجمالي تحديدا. قدم الجيلالي فرحاتي بهذا الشريط المتميز عملا سينمائيا متكاملا على جميع المستويات. نسيج من الصور و المشاهد التي تفنن في التقاطها بنفس تشكيلي شديد الرهافة و الدقة والعمق. "بِرَوِية متمعنة و بطء تأملي نادر، يقف السينمائي بنا مع كل صورة لاستكناه خبايا النفس الإنسانية، من خلال دفع المشاهد إلى قراءة الصورة المفتوحة على معاني متعددة. الصورة في "شاطئ الأطفال الضائعين" ليس الغرض منها أن تقول فقط، و إنما أساسا أن تمتع و تستحث الذهن على طرح أسئلة متعددة حول الكينونة الإنسانية في علاقتها بالعالم و الأشياء من حولها." (4)
يحكي فيلم "شاطئ الأطفال الضائعين"
قصة أمينة – أدت دورها سعاد فرحاتي – التي تقتل عشيقها السابق دون أن تكون لها
النية في ذلك، بعدما زرع بذرة محرمة داخل رحمها، لكنه تنكر لها، و كان الرجل كلما طالبته
باعتراف يعطيها مشروعيتها، تجابه برد فعل عنيف منه. عندما أجهزت عليه، لم تجد من
مكان تخفي جثته بداخله سوى أكوام الملح المتراكمة قرب البحر. و بما أن أمينة قد اقترفت معصية، فقد اعتقلها أبوها داخل فيلا
فارغة، لكن حبه لابنته لم يزد إلا تأججا رغم شناعة ما أقدمت عليه في المنظور
الاجتماعي و الأخلاقي.. أما زوجة أب أمينة، التي كانت معروفة في البلدة بأنها
عاقر، فهي ما تلبث أن تثأر لنفسها، حيث تشرع في التجول في القرية ببطن منتفخة
وهمية، موهمة سكان القرية بأنها حامل، حتى إذا أنجبت أمينة، انقضت على وليدها و
نسبته لنفسها. و من داخل عزلتها، تصدر أمينة كل ليلة صرخات حادة ، لكنها حين تخرج
الطفلة إلى العالم، تتحدى الجميع، و تخرج لتصفع الكل بالحقيقة. فلا شيء يعلو فوق
صوت الأمومة.
يهيمن الصمت بشكل كبير و رهيب
على الفضاء العام للفيلم. ذلك أن فرحاتي جعل كل قوة فيلمه تكمن في البعد الإيحائي
للصور و الرموز الموظفة في الفيلم. كان فرحاتي قد نحا نفس المنحى في فيلمه السابق
"عرائس من قصب" (1982)، لكنه في "شاطئ الأطفال الضائعين" ذهب
به إلى مدى أبعد، حيث جعلنا كمشاهدين نبتعد عن الثرثرة المجانية، و الانفعالات
الرخيصة الزائدة عن الحد، من خلال خلق مسافة ضرورية مع الصورة التي تتقدم في
الفيلم كما لو كانت لها استقلاليتها الخاصة بمعزل عن إرادة الشخصيات.
أغلب اللقطات في الشريط لقطات
ثابتة. حركات الكاميرا حركات قليلة جدا، و هي بطيئة عند وجودها. ذلك أن فرحاتي كما
يذهب إلى ذلك الناقد السينمائي بوبكر الحيحي يعطي الأسبقية للبعد البلاستيكي، أي للبعد
الفني و الجمالي أكثر مما يوليه لبعد المحتوى و الحكاية. غياب الصوت يساعد على
مشاهدة اللقطة في كليتها، لأن الدور الأساسي للصمت أنه يعلمنا كيف نشاهد. لذلك فإن
الحوارات قليلة جدا في الشريط، و حتى الموسيقى تنجز بواسطة البيانو الذي كان
يستعمل خلال السينما الصامتة. (5)
يغني فرحاتي لقطاته بمكونات متعددة تنجم عن
العلاقات بينها دلالات و أسئلة تطرح في ذهن المشاهد. و هو يركز على التوضيب داخل
اللقطة، أو التوضيب المتزامن الذي يعطي لكل لقطة أبعادا متعددة منفتحة على
اللانهاية. هكذا نجد مثلا في الشريط لقطة سيارة أحمد الذي قتلته أمينة. و تمر
أمامها عربة الفقيه الكسيح. و هو ما يوحي بعلاقة تشابه بين حالة الكسيح و حالة
السيارة المعطوبة. فعلى الرغم من أن السيارة تنتمي إلى الحداثة، فهي عاجزة عن الاشتغال
داخل بيئة مصابة بالشلل التام هي بيئة القرية. نفس السيارة تقدم في نفس اللقطة و
يمر من جانبها حمير. السيارة عاجزة بينما للحمير قدرة على الحركة.
لقطة أخرى تبرز للمشاهد دركيين،
و بجانبهما العربة المدفوعة للفقيه، مما يوحي بحالة العجز التي يعيشها الدركيان في
عجزهما عن تفكيك لغز اختفاء أحمد.
بهذا الشكل، و دون حاجة إلى
الكلام، يغني المخرج لقطاته مؤثتا إياها بمكونات متعددة يدفع المتلقي إلى الربط
فيما بينها، و إلى بناء علاقات تمكن من توليد إيحاءات و طرح أسئلة متعددة و
منفتحة. (6)
حصل
"شاطئ الأطفال الضائعين" على مجموعة من الجوائز على الصعيد المحلي و
العالمي. الجائزة الكبرى خلال المهرجان الوطني للسينما المغربية (1991)؛ الجائزة
الكبرى الخاصة بمهرجان السينما العربية بباريس (1992) و جائزة أحسن دور نسائي
(لسعاد فرحاتي)؛ الجائزة الكبرى للسينما الإفريقية (ميلانو 1992) ؛ جائزة لجنة
التحكيم و جائزة أحسن مساهمة فنية: مهرجان نامور 1992؛ جائزة أحسن دور نسائي (سعاد
فرحاتي) من مهرجان قرطاج 1992؛ الجائزة البرونزية بمهرجان دمشق 1993... هذه
الجوائز تعطي صورة واضحة من جانب آخر عن
الأهمية التي حظي بها الشريط، عند صدوره، في المحافل السينمائية العربية و
الدولية.
سميرة في الضيعة
أو عنما يكون الصمت مرادفا للعجز
لا تقبل الثقافة السائدة العجز الذكوري، و تحديدا العجز الجنسي للرجل. و لعل فيلم "سميرة في الضيعة" للمخرج المغربي لطيف لحلو هو أول فيلم مغربي تناول هذه الظاهرة، ظاهرة العجز الجنسي عند الرجل المغربي، سينمائيا بأسلوب لا يخلو من جرأة.
يحكي الفيلم قصة الفتاة سميرة التي تقطن بمدينة
الدار البيضاء، يدفعها فقرها للزواج من ادريس، و هو إقطاعي يملك ضيعات كثيرة،
لكنها ما تلبث أن تكتشف عجزه الجنسي، فلا تجد أمامها إلا الرضا بالواقع و الصبر. في
البيت الذي قدر لها الإقامة به بالقرية، تتعرف على الشاب فاروق، و هو ابن أخت
الزوج ادريس، الذي يقع في حبها، و تقيم معه علاقة يكتشفها ادريس، فيسعى للتفريق
بينهما..." الفيلم كما أسلفت من إخراج لطيف لحلو، سيناريو لطيف لحلو و تصوير نيكولا ماسار، و صوت محمد سيمو، و
توضيب نجود جداد، و موسيقى إيمانويل بينيت، و من بطولة سناء موزيان، و محمد خيي، و محمد
مجد، و يوسف بريطل.
و مع
أنه يوجد حوار في فيلم "سميرة في الضيعة"، فإن الإحساس الطاغي على
الشريط هو الإحساس بالصمت. كلما كانت هناك نتف من الحوار، أعقبها صمت رهيب. و كما
في فيلم "شاطئ الأطفال
الضائعين"
فإن الصمت حاضر بقوة لأن هناك سرا رهيبا ينبغي التستر عليه بكافة الأشكال الممكنة.
فداحة السر، و اندراجه ضمن مجال المسكوت عنه و المحرم، يفرضان الحديث عنه بصوت
منخفض، أو إخفاؤه في العتمات المظلمة. المجتمع الذكوري يقبل العجز الجنسي عند
المرأة، لكنه لا يستسيغه إطلاقا عند الرجل.
لكي
يعبر المخرج عن الصمت الضارب أطنابه في المجتمع بخصوص هذه الظاهرة، اختزله أو جسده
منذ بداية الفيلم في شخصية أب الزوج ادريس، التي أدى دورها باقتدار الممثل الكبير
محمد مجد.. الأب حسب رواية فاروق مصاب
بالزهايمر، شيخ كسيح، عاجز عن الحركة و عن الكلام. لكنه يفرض سطوته بقوة على
الفضاء، من خلال حضوره الصامت، حضوره المريض الكسيح، معبرا منذ البداية، عن قوة
العجز و الصمت في الشريط. العجز ليس جنسيا فحسب، إنه عجز ثقافي تواصلي مستفحل في
الثقافة، و متجذر في التراث. يستحيل أن يكون هناك حب ناجح عندما يكون هناك عجز
عميق في الثقافة. عندما تكون الثقافة معاقة و مكبلة.
في الفلاشباكات التي تقوم بها سميرة لمقاومة
واقعها الصعب، تستحضر مجموعة من الممارسات من الثقافة الشعبية، لما كانت ما تزال
بمدينة الدار البيضاء، التي ما زالت تكبل عقلية المرأة.. من قبيل زيارة الأولياء،
و ذبح الديك عند البحر للزواج، و غيرها.
يقيم المخرج تقابلا في الفيلم بين الصمت و
الكلام. إذا كان الصمت يقول الحقيقة، مع أن الهدف منه هو التستر و الإنكار، فإن
الكلام، كلام ادريس تحديدا، لا يقول سوى الكذب و لا يبيع سوى الوهم..
يظل ادريس الزوج طيلة الفيلم غارقا في
الوهم..يوهم أصدقاءه بأن زوجته حامل. أكثر من ذلك يسعى إلى تأكيد فحولته بالكذب و
الرياء، عوض التصدي الفعلي لمشكلته، من خلال استشارة طبيب قصد العلاج.
في حواره (كلامه)
مع أصدقائه يروج ادريس الكذب و الوهم، و في حواره مع زوجته يروج أسلوب القمع و العنف..
بينما الصمت يقول الحقيقة.
و إذا كانت الرغبة يقمعها الكلام، فإن الرغبة،
و تحديدا الرغبة الجنسية تتمكن من التعبير عن نفسها من خلال قنوات أخرى غير مباشرة
لتحدي سلطة الكلام. أو إن الرغبة المشتعلة، أو "النار الحمرا"، تبحث عن
كلام آخر أكثر صدقا من الكلام الذكوري المهيمن. تقترب سميرة من عشيقها الشاب فاروق
و تخاطبه قائلة: " ديما كنبغي نقول ليك شي حاجة و كننسى".. و عندما
يتساءل فاروق عن هذا الشيء تجيبه. "اسمك زوين".. (اسمك جميل).. الرغبة
مجازية بتعبير جاك لاكان. و غني عن الذكر أن الاسم هنا هو مجرد ترميز للتعبير عن
شيء آخر، هو الأكثر صدقا في نفسية البطلة.
و تقرر سميرة أن تقتني لفاروق حذاء جديدا. لأنه
هو الأجدر به ما دام هو القادر على تحريك نار الرغبة بداخلها، و هوالذي يذبح
الديك، تماشيا مع الثقافة السائدة التي تربط القدرة على الذبح بالفحولة، لكن مع
تحويل هنا هو أننا لا نرى الدم يسيل، لأن المهم هو قوة العلاقة الإنسانية، لا
الرجولة الزائفة.
كما تعبر الرغبة عن نفسها من خلال المسح المرهف
الخفيف الذي تقوم به الكاميرا للمكان كما في "شاطئ الأطفال الضائعين"، و
من خلال اللقطات الثابتة التي لا نبالغ إذا قلنا إنها التقطت بشكل جمالي، كما هي
لقطات البيت الذي تقيم به سميرة على سبيل المثال.
و مع ذلك فإن هذا الشريط كان سيكون أفضل و أجمل
لو كان المخرج قد اشتغل أكثر على السيناريو و تفاصيل السيناريو، الذي احتوى على
بعض العناصر التي لم تكن مؤسسة بما فيه الكفاية. أكتفي بعنصرين اثنين. إن سلبية
شخصية سميرة تكاد تكون سلبية غير مقنعة من فتاة قادمة من الدار البيضاء، كانت لها
علاقة حب في الماضي مع فتى في مثل سنها، لكنها لا تستثمر تجربتها المدينية في بناء
شخصية أكثر إيجابية. أما الفتى قارون فقد تم إقحامه منذ البداية في العمل، بدون
مبرر مقنع، بهدف فتح المجال لربط علاقة حب معه، بشكل غلب عليه التبسيط و السطحية.
و هكذا إذا نحن قمنا بمقارنة بين
الفيلمين
السابقين، فإن "شاطئ الأطفال الضائعين" أكثر قوة و إقناعا من الثاني
لأنه تفادى السقوط في مثل هذه الكليشيهات التي هدفها الإثارة أكثر مما تهدف إلى
الإقناع و طرح الأسئلة الصعبة.
"مختار" لحليمة ورديري
الصمت و إعادة
إنتاج العنف
فيلم "مختار" (2010) هو شريط قصير ناطق بالأمازيغية، من تأليف و إخراج المخرجة الشابة حليمة ورديري، و هي مخرجة سويسرية مغربية تشتغل بين كندا و المغرب و سويسرا. من بطولة عبد الله إشيكي في دور مختار، و عمر بالعربي في دور الأب، و صفية موسى في دور الجدة. إنتاج إيستلفيلم بشراكة مع بعض المؤسسات الكندية. و قد حظي بإقبال عالمي، و أحرز على مجموعة من الجوائز و قوبل بحفاوة كبرى في مهرجانات عالمية أذكر من بينها مهرجانات تورونتو و برلين و روتردام و دبي و تطوان... كما أنه عرض بمجموعة من القنوات الدولية أذكر من ينها قنوات France 3 و CBC و TSR...
يظهر إلى جانب الشجرة الطفل "مختار"
و هو راعي الماعز، منهمكا في اللعب بأحجار صغيرة..ما يلبث أن يكشف داخل مخبأ تحت
أحجار أسفل جذع الشجرة، عن طائر غريب ليس غير صغير البوم. يضعه في حقيبته. يحمل الحقيبة،
و يقود ماعزه و يتجه نحو البيت.
في البيت، بعد التحية، يكشف عن الطائر الذي عثر
عليه لوالده، فيقابل برد فعل عنيف منه، باعتبار
أن طائر البوم يرمز للشر و ينذر بالشؤم و الموت في الموروث الثقافي الشعبي، لذلك
يعاقب الأب ابنه بأن يزج به داخل مكان مغلق ضيق لا يمكنه الخروج منه، مرفوقا
بطائره الذي يظل متشبثا به.
لحظات الصمت في الفيلم تمثل نكوصا نحو مرحلة
عتيقة سابقة في حياة الطفل..مرحلة تخلو من الصراع.. المرحلة التي كان الطفل خلالها
غارقا في الصمت، لأنه لم يستوعب الكلام بعد. لذلك نلاحظ أن الطفل يلعب فقط. و
يشاهد عبر ثقب المفتاح، و هو ما يحيل إلى المشهد البدائي أو الأصلي الذي سبق لفرويد أن تحدث
عنه، و الذي يقوم فيه الطفل بالتلصص على المشهد الجنسي للأبوين. عبر النظرة و من
خلال ثقب المفتاح يتحدى مختار واقع سجنه في مكان ضيق مغلق، يرصد التحرك المريب
لوالده، و ينفتح على الفضاء الشاسع، في انتظار العودة إليه.
و كما
في "سميرة في الضيعة"، الصمت المهيمن مؤشر على العجز عن التواصل. ثقل الماضي يجعل الأب يتشبث
بالرمزية الثقافية، حتى لو كان فيها ما يقضي على الطفل. إذا كانت سميرة هي الضحية
في فيلم لطيف لحلو، و أمينة هي الضحية في "شاطئ الأطفال الضائعين"، فإن
الطفل مختار هو الضحية في هذا الفيلم. لكنه يتحدى الصمت بكل السبل و الأدوات
الممكنة. يدق الباب برأسه. يصرخ. يغني. و يبكي. و هو يقدم في الأخير على قتل رفيقه
الطائر مكرها قصد انتزاع حريته.
عبر لحظات الصمت الثقيل، قدمت المخرجة حليمة ورديري
مجموعة من اللقطات التي أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها لوحات فنية جميلة، تجمع بين
الداخل و الخارج، بين الطبيعة و الإنسان، بين الإنسان و
الحيوان ضمن
تشكيلات بلاستيكية أهلت الشريط ليفرض نفسه عن جدارة و استحقاق على المستوى
العالمي. بذلك يكون المحرم، و هو طائر البوم هنا، مطية مرة أخرى لتوظيف لغة الصمت
في السينما. هناك حوار في الفيلم، لكن الانطباع الطاغي كما في الأفلام السابقة هو
الصمت. صمت يحمل دعوة إلى المشاهدة كما أسلفت، لكنه يحمل دعوة بالمثل إلى التفكير
و التأمل.
الباروكة لكريم البخاري
الصمت و جرأة الانتهاك
في فيلم "الباروكة"، قبل ظهور الصورة على الشاشة، بتوازي مع سواد
الشاشة تمتد إلى مسامعنا "أغنية النار الحمرا" التي أسلفت الإشارة
إليها.
النار الحمرا
أيا سيدي فالجوف
كادية
و هو ما يوحي بأن الشخصية (أو الشخصيات) تحركها قوة مشتعلة مثل نار حارقة بداخلها،
مثلما توحي بالدمار و بالضياع في المكان.
تظهر في
البداية واجهة قاعة سينمائية، بجوار بعض واجهات متاجر و مساكن في الشارع الممتد
حيث قاعة سينما "إدن كلوب" بالدار البيضاء. بائع سجائر بالتقسيط يجلس في
زاوية أمام مدخل القاعة السينمائية. نشاهد شابا يدخل الحقل و يقف أمام القاعة..
يحمل حقيبة كأنه قادم من سفر ما. يبدو
تائها. يحملق لحظة في الملصقات و يحملق في مدخل القاعة. يقتني تذكرة. يقتني سجائر
من بائع السجائر بالتقسيط. لا أحد يعرف من يكون بالضبط هذا الفتى، و لا من أين
أتى.. فهو صامت لا يتكلم. و حتى عندما يتكلم، فهو يتكلم بصوت لا يسمعه المتفرج.
يحمل حقيبة تثير أكثر من علامة استفهام، فالمتفرج عادة يرتاد السينما بدون حقيبة.
يشعل السيجارة، و يدخن و يبدو كما لو أنه في حلم..
هذا ما نشاهده خارج القاعة السينمائية، لننتقل
بعدها مباشرة إلى الفيلم الذي يعرض على الشاشة السينمائية داخل القاعة، و هو شريط كلاسيكي
بالأبيض و الأسود عنوانه "رجل في حياتي" (1961 )
للمخرج المصري
الراحل يوسف شاهين. عندما يلج الشاب القاعة المظلمة، يجد الفيلم معروضا على
الشاشة. إنارة صاحبة المصباح تكاد تعمي عينيه. يتلمس الفتى الوسيم خطوه في الظلام.
يجلس على مقعد و يضع حقيبته على مقعد بجانبه.
بعد لحظة ينهض الفتى من مقعده حاملا حقيبته.
يخرج من قاعة العرض و يتجه نحو المرحاض. في المرحاض يجد نفسه في مواجهة المرآة. يتفحص
وجهه أمام المرآة لحظة و دائما في صمت. بتزامن مع ذلك يسمع صوت الفيلم المعروض على
الشاشة، بما يوحي بوجود تداخل بين عالمين، عالم الشاب الواقعي، و عالم السينما
الخيالي.
التحول الكبير في الفيلم يبدأ من داخل المرحاض،
عندما يخلع الشاب ثيابه بشكل مفاجئ، و يرتدي ثياب فتاة. ثياب مثيرة مستفزة قصد
الإغراء و الإثارة الجنسية، ثم يعود إلى القاعة قصد بيع اللذة للمشاهدين المتعطشين،
معتمدا في ذلك بصفة خاصة على باروكته التي تعطيه شكلا أنثويا لا يخلو من رقة و
نعومة.
يضعنا المخرج بهذا الشكل إزاء تقابل بين
عالمين. عالم النص الفيلمي الكلاسيكي ممثلا في شريط "رجل في حياتي"
ليوسف شاهين، عالم يدافع فيه الإنسان عن قيم الحب و الوفاء عند بداية الستينيات من
القرن الماضي. و عالم التلقي الفيلمي داخل القاعة. و هو عالم انهارت فيه كل القيم
انهيارا تاما. كل شيء بات يباع و يشترى. و القاعة التي كانت سابقا للفرجة
السينمائية تحولت اليوم إلى قاعة لتجارة اللذة الجنسية الرخيصة، و للشذوذ الجنسي
المستهجن.
راهن المخرج كريم البخاري في أول شريط قصير له
على اقتحام بعض طابوهات المجتمع المغربي المعاصر في شقها الجنسي تحديدا، و على
التأكيد على ما يعيشه المواطن المغربي اليوم من سكيزوفرينيا صارخة في هذا البعد
المتعلق باللذة الجنسية. اشتغل كريم البخاري لفترة طويلة في الصحافة، و اضطلع بشكل
خاص بمسؤولية إدراة مجلة "تيل كيل" التي دأبت على طرح مواضيع جريئة، مع
أنه متخصص في الطب. و لأن السينما كانت عنده هي الحلم الأساس، فقد انفصل عن
الصحافة ليعانق حلمه القديم، مما أسفر عن أول عمل سينمائي له و هو فيلم
"الباروكة" الذي نحن بصدده.
و من غير المستغرب أن يكون الصمت سائدا بقوة في
الشريط. فلا حوار، و لا موسيقى، باستثناء ما ينبعث من الشاشة من الفيلم الكلاسيكي
الذي ينتمي إلى زمن آخر و مناخ آخر. اللقطات ثابتة مما يوحي بحنين إلى السينما
الصامتة. سينما البدايات. و بينما نجد كثرة الحوارات في الفيلم الأول، نجد في
المقابل هيمنة الصمت عند المشاهدين، الذين رغم أنهم ارتادوا القاعة لمتابعة
الفيلم، فإنهم في العمق منشغلون بأمور أخرى مرتبطة برغباتهم المكبوتة.
الفتى
الوسيم الذي حول نفسه إلى فتاة تبيع اللذة، مايلبث أن يُضيع باروكته التي ألقاها
زبون له بعيدا لما اكتشف أنه ذكر و ليس أنثى كما كان يتوهم. و مع ذلك استمر الفتى
في بيع لذته بدون باروكته متدبرا أمره. في الأخير لما عاد إلى لباسه الأصلي، اقترب
منه شاب. أخذ مكانه بجواره. وضع الباروكة على رأسه و شرع يزود الفتى بنفس اللذة
التي كان هو يمنحها للآخرين.
أدى بطولة الفيلم بجرأة كبيرة الممثل الشاب فيصل
عزيزي. قام بإنتاجه المخرج المغربي ادريس شويكة. تشخيص خديجة عسلي ، رقية بنحدو،
عادل السعداني، عبدالله لبكيري، المهدي مشبال. و هو من توضيب نجود جداد، الصورة لمحمد
عبد الكريم الدرقاوي.
***
تبين من خلال هذه النماذج الأربع أن هناك
تلازما كبيرا بين المحرم و الصمت في السينما المغربية. لكننا نؤكد على أن العلاقة
بين البعدين ليست علاقة ميكانيكية. ليس من الضروري أن يكون هناك محرم ليكون صمت أو
العكس. و لكن تناول المحرم في السينما المغربية بناء على استراتيجية الصمت يعطي
هذه السينما أبعادا جمالية قوية.
و الملاحظ أن الصمت يحضر أكثر في الأفلام المغربية
القصيرة، مما يعطيها جمالية أكبر قياسا إلى الأشرطة المطولة. و يتقوى الصمت في
الأفلام القصيرة بحكم أن هذه الأخيرة ليست مجبرة على الخضوع إلى نظام السوق، ما
دامت على العموم لا تنخرط ضمن النسق التجاري المهيمن. لذلك تجد أغلب مخرجي الأفلام
القصيرة يقدمون على تجريب أشكال جديدة غير مسبوقة، من خلال إعادة قراءة و استلهام
تاريخ السينما كما رأينا من خلال النموذجين اللذين تناولهما سابقا.
------------------------------------
هوامش:
1- Charles Chaplin,
« Charlie Chaplin Attacks the Talkies », interview de Gladys Hall, Motion
Picture Magazine, n°38, mai 1929
2- Akira Kurosawa, Comme une autobiographie,
Ed du Seuil, Cahiers du cinéma, p. 204
3- Giuseppe Maffei, « Le silence », Cahiers jungiens de psychanalyse
2005/1 (n° 113), p. 15-28.
4-
القولة مقتطفة من كتاب نورالدين بوخصيبي
" مسافات اللعب و الوهم – قراءات في
السينما المغربية"، و هو كتاب قيد الطبع، ضمن فصل
بعنوان: " الفيلم المغربي
عند نهاية الألفية الثانية - سينما.. حقيقة.. و نقد".
5- Boubker Hihi, « Jilali Ferhati – Le cinéma des
inconsolables »
1ère édition 2010 p 50
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاركت بهذه المداخلة ضمن ندوة "الصمت في السينما" التي نظمها النادي السينمائي لإيموزار ضمن فعاليات المهرجان إيموزار لسينما الشعوب الذي نظم في الفترة بين 8 و 11 نونبر 2018 . نشرت الندوة في كتاب و تجدون في الرابط التالي تغطية لأشغال هذه الندوة. ندوة الصمت في السينما
نورالدين بوخصيبي
